الدين والسياسة ..متى أستغنى أحدهم عن الآخر ؟.
لا أريد هنا أن أثير ما قد يظنه البعض بأنه قد انتهى الحديث حوله لاعتقادي الكبير بأنه لم ينتهي ولن.. وسيستمر طالما والتفكير حول الدين والسياسة على ما هو عليه الآن من خلط وعدم وضوح للرؤيا !!
لقد تحول الدين إلى وسيله .. وككل ما قد يؤثر على عقول الناس وأفكارهم فلا بد إذا من احتكاره لأجل توجيهه بالطريقة التي تخدم الأطراف المستفيدة منه فقط !! هذا التحول ليس وليد لليوم أو المرحلة الراهنة ولكنه قديم قدم التحولات في عصور الأديان .
قبل أيام ليست ببعيدة كثيراً أقامت المعارضة صلاة للجمعة في شارع عام واعتصمت, وتحدثت من خلال خطبتي الجمعة عن فساد الحكم .. وتردي الأوضاع .. وتضييق هامش الحرية .. في البلاد .
ابتسمت حينها كون الدين هو أحدى الكروت الناجحة جداً والتي تلعب من خلالها السلطة على تعزيز شرعية وجودها حتى الآن .. وها هي المعارضة تفعل نفس الشيء بدلاً من محاربتها لذلك .. كون الجدوى من استخدامه أكثر فائدة من محاربة استغلاله لأجل المصالح .
ثم جاءت ردة الفعل ساخنة وكأن الفعل جديد يحدث لأول مرة .. من مؤيد ورافض ومبرر لاستخدام الدين في أغراض السياسة !!
ولكي نعود إلى صلاة الجمعة قليلاً وخبطتيها .. فليس بسهولة إقامة الصلاة نستطيع تقييمها . . ومرد ذلك إلى كونها خالصة لوجه الله لا يعلم بصدقها من كذبه سوى من نتوجه بالصلاة إليه ..!!
ولكنني أستطيع أن أجزم بأن خطبة الجمعة ومنبرها الذي يتطلع إليه الكثير من هذا الشعب .. تعاني منذ قرون وما زالت من تراجع كبير حالها حال كل شيء من حولنا وعلى مستوى التأثير وتراجع أكبر في تقنياتها .
ربما لان هناك للأسف من يفرغ هذه الخطب من محتواها بفرض خطاب معين على الجميع كما أن الخطيب المثقف يكاد وجوده يصبح نادراً ندره الأفكار المعتدلة, بينما الكثرة من حولنا تروج لخطاب سطحي زارعة فيه الكثير من أفكار الحقد والبغضاء !!
في ظل هذه الخطب الهشة .. نعود إلى طرفي النزاع اللذان يحلو لهما تبادل الاتهامات حول استخدام الدين في السياسة وأجدني مذهولة من جرأة كلاهما في الحديث عن عدم شرعية إقحام الدين في السياسة .. !! واستغرابي يكمن في إبعادهم للسياسة عن حياة الناس .. متناسين بأن الإفتاء واستخدام المساجد لأجل الإفتاء أصبح كالماء والهواء ولا يستطيع العبد لله العيش في الحياة من دون أن يرجع إلى قائمة الحرام والحلال التي تكبر يومياً حتى شملت تفاصيل الحياة البسيطة التي لا تحتاج إلى توجيه أبدا أو إلى تحليل وتحريم !!!فلماذا أذا نستثني السياسة من كل ذلك ؟؟
ومتى لم يستخدم الدين ..؟! لتنفيذ كل المصالح والأهداف؟؟ .. والذين يعيبون على المعارضة توظيفها للدين .. وبأنها بذلك تهدر اعتصامها الجميل كون الصلاة لله وحدة .. عليهم أن يعوا جيداًِ أن خطبة الجمعة شيء والصلاة شيء آخر .. وأنه ليس بجديد أو خطأ استخدام خطبة الجمعة لقول الخطاب السياسي الذي يعالج ما حولنا من إختلالات ولكن الخطأ هو الحديث باسم الله والتمسح به لأجل أغراضنا ومصالحنا الشخصية .
ولأن نظام الحكم في بلادنا للأسف يتهرب حتى اليوم من جدية القضاء على الفساد والبدء فعلياً في الإصلاح الشامل .. بالمقابل هناك المعارضة المصرة على خوض معاركها وليس حوارها أو عملها السلمي لأجل التغيير, وهنا لا بد من التنويه إلى أن المعارضة لا تفعل ما تفعله باعتبارها ردود أفعال لا أكثر لما تقوم به السلطة وإنما لأنها لا تفهم من المعارضة إلا ما تفهمه السلطة نفسها من طرق قديمة التفكير في الحكم وفي المعارضة .
كما أن توظيف الحكومة و المعارضة للدين ليس بجديد.
فالحاكم لا يدخر جهداً لتبرير تسلطه وفساده من إقحام الدين كعامل أساسي يمنع الناس من الخروج عليه والولاء المطلق له وهذا ما نراه من خلال الانتخابات والفتاوى الغزيرة والتحذير من كتم الشهادة وأداء الأمانة وطاعة ولي الأمر والمستغرب لدي هو سكوت الجميع وخاصة المعارضة عن هذا التوظيف الدائم بل ومشاركتها فيه والذي يشعر البعض وأنا منهم بأن الأمر فهم مشترك بين الحاكم والمعارضة للدين ووظيفته الحقيقية في الحياة .
والمضحك هو علو الأصوات ودون سبب حقيقي ضد حوادث فردية أو متفرقة وعدم التحرك جدياً في أبعاد الدين عن المزايدات والمغالطات بشكل عام من حياتنا اليومية …
إن العلاقة تعتبر وثيقة بل وكأنها واحدة بين التطرف الديني والسياسي وكلاهما لا يحرضان إلا على كراهية الأخر والحقد عليه وعدم التخاطب معه !!
وهذه هي لغة اليوم في بلد يدعي التوجه الديمقراطي بما تعنيه الديمقراطية من تطبيق لمفاهيم المواطنة والتي تعني على حسب علمي .. الولاء التام .. للنظام والقانون من” الشعب” ومن الطرف الأخر “الحكومة” الالتزام بالحماية من خلال تحسين الوضع العام .. وإرساء مفاهيم التسامح وحرية الفكر و المعتقد .. وإعلاء قيمة الحرية على سائر القيم وصوت العقل على صوت الخرافات والأباطيل .
ولو تحدثنا نظرياً أكثر لقلنا أن الأحزاب الديمقراطية دون استثناء حزب السلطة الحاكمة نشأت لتعمل على تنفيذ بنود ذلك العقد ونأيها أو عدم انشغالها بالدين كونه خيار شخصي لا علاقة له بالسياسة أبداً ..
وهنا يحدث الارتباك .. كون طرفي العقد لا يلتزمان ببنوده ربما لان الموروث الثقافي لدينا لم يقصي ولم يستثنى الدين من حياة الناس السياسية بل كان هو المحرك الأول للتغيرات السياسية المتلاحقة عبر العصور بأعتبارة وسيلة لتطويع الشعوب .. وجعلها تفكر بطريقة واحدة .. لا اختلاف فيها خادمة بذلك الحاكم بالدرجة الأولى .. ومن يتزعمون الإصلاح وليس لهم في الإصلاح سوى مصالحهم الخاصة .
هل أستطيع القول أذا بأن الجميع فشلوا في تحقيق ذلك الفصل؟؟ كون عقلية الحاكم لا ترى في السلطة سوى غنيمة حرب وعليه الاحتفاظ بها بكل الطرق والوسائل وأسهل الطرق إلى ذلك الحديث بسم الله والعودة إلى مفاهيم ظل الله على الأرض .
أما المعارضة فليس لها هدف هي الأخرى سوى السلطة أيضاًِ دون أن تعي أهدافها الحقيقية حتى اليوم من تغيير لهيكلية التفكير والنظم السائدة ، ورغم إدعائها بأنها الناطقة باسم المظلومين فنحن لا نرى لها حتى اليوم بلورة واضحة في مطالبها التي هي مطالب العامة وليست مطالب شخصية وبالتالي ممارسة الضغوط لتنفيذها والاستماتة في النضال لأجلها .نعم لقد فشل الطرفين في ترك الدين جانبا ليظهر كقاسم مشترك بينهما يتعاطيان معه باعتباره وسيلة وليس سلوك وشعائر واعتقادات فردية.
إن ما تقوم بها الدولة ممثلة بوزارة الأوقاف من غض النظر عن الخطاب الديني في المساجد لسنين طويلة وانتباهها أخيراًِ إلى رفع مهارات الخطباء والواعظات تحت مسمى معايير الشريعة الإسلامية ما هو إلا توظيف للدين وأن كان بلغة جديدة وقد يكون السبب لهذه الالتفاتة الكريمة والمتأخرة ليس تراجع خطب الجمعة وإنما لانتشار موجة الإرهاب والتي جعلت الحكومات تعيد النظر في التعامل مع الخطاب الديني وبدلاً من الاستغناء عنه تماما .. فلتطوعه لخدمتها وبطريقة وخطاب جديد بعيد عن الأفكار التي لا تريدها هي والتي باتت مأزق حقيقي اليوم لكل من يتحدث باسم الدين .
وبالمقابل فإن المعارضة لم تتوانى وهي ذلك الخصم للسلطة المستبدة والمرآة لها في نفس الوقت كونهما الاثنان بمعزل حقيقي عن الناس .لم تتوانى عن استخدام الدين بين حين وأخر لأهداف خاصة ووقتيه ..
كلا الطرفين يستخدمان الدين لتأكيد ما يريانه إصلاحا يتمثل بمظاهر معينة وأخلاقيات محددة يراها كل طرف من وجهة نظره هو ولكي أكون واقعية من باب مصلحته لا أكثر .
أن تاريخنا وحاضرنا يؤكدان أن لا أصلاح سياسي إن لم يقترن به إصلاح ديني حقيقي يثور على الجهل والاستغفال وهذا يعزز ما قلته سابقاً بأن التساؤل الحقيقي هو من لم يستخدم الدين في السياسة حتى الآن ؟؟
ومتى لم يكن الجهل به وبجوهرة ليس غنيمة لكل ذي مصالح من هنا أو هناك ؟؟
ومتى سيستخدم هذا الدين بمساحاته الواسعة وسع الرؤى والأحلام للبحث به ومن خلاله وليس باستنساخ أفكاره وتشويهه وتفصيل قياساته حسب رغبة الآخرين لاأكثر؟