غارقون في المركزيه
لأننا وببساطة نغرق في المركزية ..نستمتع بمركز يتحكم بجميع الخيوط وبنا ونرى وجودة دعامة لتوازننا وشماعة لأخطائنا ومجرد غيابة قد يقلب الشأن العام رأسا على عقب ويجعل الأمور سائبه …نحب التحكم بنا ولا نشعر بأننا رعايا ألا عندما نجد الراعي ممسكا لعصاه يحركنا ذات اليمين وذات الشمال يوفر لنا الماء والطعام حتى وأن لم يوفرهما فلنا عند ذاك راعي نستطيع أن ندعو عليه ,والمضحك أن ذلك المتحكم القادر لم يعد قادرا وذلك العدد المحدود الذي يستطيع بشر أن يتابعه ويراقبه بات رقما من ملايين يصعب على طاقة بشريه واحدة العمل لأجلهم ومراقبتهم ودفع الظلم عنهم …قد يصفني البعض بالتشاؤمية أو اليائسة في ما يخص مركزية الحكم في بلادنا ولكنني لا أرى أبعد من الحاكم كمثل الجميع ولا أقرب إلي من أنفاسي سواه ..هو القائد العام والقاضي العام والاقتصادي الأول ووزير التعليم ووزير الصحة والنفط وشيخ القبيلة ورئيس البلاد وووو..كل ذلك يتحمل عبئه شخص واحد ومجموعة معدودة بات من الصعب عليهم في زمن العولمة والمساحات الشاسعة والتعداد السكاني المتزايد أن يديروا كل شيء دون المزيد من الأخطاء والإهمال وعدم الدراية ..
باتت الإدارة المحلية حلا جذريا لكل تلك المشاكل والأزمات التي ننزلق لها بكل يسر وباتت طوق نجاة لمركزية مرضيه واحتقان و فقر وجهل ومرض, ذلك أن تفعيل الأطراف وتنشيط البلاد أجمعها سيجعل الحلول متوفرة والقدرات مرئية والفساد والمفسدين بالمقدور السيطرة عليهم في ظل مساحات أقل واختيارات وانتخابات نزيهة وشعور يكتسح الجميع بالمسؤليه وأن لا مخرج لنا ألا بتفعيل دور الإدارة المحلية بمستوياتها الثلاثة (مركز - محافظه- مديرية )
أعلم أن السلطة المحلية مطلب حضاري بل ربما قد يكون آخر المطالب الحضارية بعد تحقيق مطالب أخرى كترسيخ مفاهيم الديمقراطية قولا وعملا ومكافحة للجهل بها وبقيمتها وأن كنا لم نحقق أيا منهما تحقيقا يتجاوز حتى نصف الاحتمالات بأننا قد صرنا جاهزين لإدارات محليه تدير البلاد وتشرف على خيراتها وأبنائها وتعاقب وتحاسب دون أن ترجع أولا وأخيرا إلى نائب العميد …عفوا أقصد إلى حاكم البلاد .ألا أنني أراها في مثل حالتنا مطلب أول وعاجل لأجل البداية التي قد نختلف معها عن الآخرين ولكنها حتما بنجاحها ستميزنا على الجميع .
أتخيل دائما إدارة محليه أقرب إلى احتياجات الناس و إلى أماكن القصور من خلال درايتها بطرق التنمية المتاحة لطبيعة جغرافيتها وتركيبة سكانها وظروفهم الأجتماعيه و السياسية تعالجها بإمكانات خاصة و بمسؤليه جماعية وقرار خاص بها لا يتعارض أطلاقا مع قضاء البلد ودستورها والحقوق السياسية الممنوحة للجميع وهي بذلك التصرف الإداري ستكون قادرة على تنمية مناطقها كما أنها ستنفق ماليا على احتياجاتها من مواردها ودعم المركز أن لزم الأمر ولكن دون الرجوع إلى الوزارات ذلك لأنها عند ذلك الوقت ستكون هي الأعلم و الادرى بأوضاعها التنموية و الأداريه ..
تلك هي تخيلاتي التي تسارع ارتفاعها حتى رأيت المحافظات تتنافس بجد لأجل جعل كل واحدة منها زهرة للمدائن ووطن صغير ينعم أبنائه بالسعادة ولا يولون وجههم دوما شطر العاصمة وشطر حاكمنا العظيم وأينما كان مقر أقامته كان الحج باتجاهه لأجل أيجاد حلول للناس وتدبير شؤون حياتهم !حتى باتت صنعاء أشبه بقنبلة موقوتة مليئة بالوزارات والمحكم والجيش والأمن والشيوخ والقادمين للبحث عن عمل والباحثين عن أتمام معاملاتهم وتفاصيلهم الصغيرة ..
أننا غارقون في المركزية بل نحن ميتين بعد ذلك الغرق ذلك أننا نحيا عكس ما أتخيله وأحلم به, فالمركز أطال الله عمرة ما زال حتى اللحظة مسيطرا على السياسة والقضاء والإدارة وما يخص التشريعات والقوانين ولكنه يفقد السيطرة فيما يخص الأسعار وسوء التعليم و الصحة والطرق والفساد والتدهور الذي يتسارع أيقاعة كطبول الحرب التي تنبأ بالخراب قبل أن تنبأ بالنصر وبوجود هذه المركزية و في ظلها لا شيء سيولد من تراهات تلك التنمية الشاملة التي لا تشمل سوى جيوب البعض لا أكثر .
الإدارة المحلية هي تحدي الحكومة وتحدي المعارضة للمرحلة القادمة .بل هي العلامة الفارقة والتي ستوضح للجميع مدى جدية هؤلاء ومدى عمق نظرتهم وقربها من الناس ومن أيجاد الحلول الحقيقية القادرة على أخراج الجميع من عنق الزجاجة الخانقة .
أن الإصرار على أن المركز هو كل شيء يطرح تساؤل بريء وهو ما الفائدة من مسئولين هنا وهناك نثقل بهم ميزانية الدولة ولا نستفيد منهم بشيء ؟؟
أذا لم تستطع المحافظات من أدارة نفسها حتى اليوم فصدقوني لا خير يرجى من مجتمع مدني يتزايد شكليا ولا يفعل شيء في حقيقة الأمر سوى تزويق نظام مهترىء وسلطة متحكمة قابلة للانهيار في كل لحظه كما أنه لا جدوى من معارضة مهووسة بإزالة الحاكم قبل أن تبدأ بإزالة العقلية المركزية من تنظيمات أحزابها ولا جدوى أخيرا من حاكم وحكومة تظن أنها تدير البلاد بحنكه وما هي سوى سائق لا يجيد القيادة يقود الجميع إلى هاوية محتومة ..
لا جدوى من الجميع أن لم يسع الجميع إلى إدارات محليه منتخبه تمتلك من خلال انتخابها شرعية التغيير والبناء وبت القرارات بعيدا عن الجميع ألا مصالح من تديرهم ومن تنظم لهم حياتهم ..
للعلم :
الإدارة المحلية غير الحكم المحلي وليست بذرة للانفصال و التشظي والتمرد على المركز ولكي يطمئن الجميع فأننا نريد قرارات أداريه مناطقيه أما القرارات السياسية سنتركها للمركز حتى لا يزايد المحبطون على أن الأولى لا بد و أن تقود للثانية