التناقض ..النفاق شكلا من أشكال العجز …
مدخل :
لقد أسقمني هذا العالم الزائف ، ولن أحب فيه سوى ما كان في غاية الضرورة “
(تيمون الاثيني أو, كاره البشر ..شكسبير)
دائماً ما تشدني التناقضات إلى اقتحامها …ودائماً ما أرى فيها ذلك الوجه الخفي والحقيقي الذي نختبئ ورائه وربما وجهنا القبيح . والذي نحاول عجزا الهرب منه وتجميله أو ادعاء وجه آخر لا صلة لنا به وكل ما شدتني تلك المتناقضات كما ابتعدت عن اقتحامها ..حرصاً على النفس وعلى العقل وعلى المكانة الاجتماعية التي حصلت عليها باتفاق متراض عليه بيني وبين من أعطوني تلك المكانة بناءا على عقل لا يخوض في الممنوع و المحظور ونفس لا تطمح بما ليس لها … وما لن يقبل به الناس حقا خالصا…
وبين ذلك الحرص وذلك الشد أجدني اليوم أحاول الاقتراب منها وبحذر شديد ولكنني اقترب ,وألامس بأصابعي المرتجفة مواضع النفاق ( التناقض) وأشير بيدي إلى اتجاه قد يراه البعض خطيرا لجهلهم به ولكنه يظل في الحقيقة الأكثر أمنا وسلاماً ما إن يزول جهلنا ذاك, اتجاه لا يقبل بالمكيالين ولا يتفق مع الأهواء المغرقة في الأنانية وحب الذات, اتجاه لا يحرم ويحلل حسب المزاج ولا ينسجم بأي حال من الأحوال مع الابتسامة الصفراء … والجروح المتقيحة المخفية .
هو ذلك الرياء ما أفكر به و ما يدفعني غالبا للسخرية من قيم كثيرة يصبح لا معنى لها إن رأينا نقيضها حاضراً ومقدسا لدينا في نفس الوقت !!! بماذا ابدأ أولا؟ ولا اقصد هنا بالبداية الإلمام والحديث عن جميع أو كل ما يحيط بنا من تناقضات حتى تلك التي تلتقطها عيناي ولكني اقصد بالبدء هنا هو فتحنا لملف كبير ممتلئ بالزيف والكذب على أنفسنا جاعلين غلافه مزهنقاً .. ملونا كأحوالنا المتقلبة والمتلونة بلون الموقف والمنفعه .. ما رأيكم كبداية أذن بموقف إمام الجامع الكبير بصنعاء ” الرقيحي ” في خطبة العيد أمام رئيس الجمهورية عندما خاطب جمهوره قائلا : “إن الوحدة من الأيمان والفرقة و التشظي من الشيطان ” وبرغم أن هذا القول مقتبسا من مقولة نحفظها كأسمائنا وهي ” النظافة من الإيمان والوساخة من الشيطان ” والتي نقولها باستمرار و نحن أول من نمارس تلك الوساخة عبر شوارعنا وبيوتنا وملبسنا, وفي العمق نمارسها عبر أرواحنا وطهرها ونقائها..برغم كل ذلك سأعود من تلك الجزئية العارضة إلى مقولته السابقة وهي أن الوحدة من الأيمان والدعوة إلى الفرقة من الشيطان لأسال عن أي وحدة يتحدث؟؟ ..هل عن وحدة القلوب وهي ما نعول عليه كثيرا وأخيرا لأجل بقاء هذا البلد متماسكاً ..أمام زلزال الأحداث الأخيرة ..؟ وذلك لا يتأتى إلا بإزالة المظالم وإشاعة التسامح وتطبيق القوانين ,أم أنها وحدة جغرافيه لا أقل ولا أكثر من ذلك ؟؟
يا شيخنا الكريم والعظيم حفظك الله ..هل تسمي كل من اكتوى بنار الوحدة عونا من أعوان الشيطان …؟ وتسمي كل من تنعم وتنغم بوحدة ملئت جيوبه وعيوبه يداً وعوناً لله ؟ هل الحاكم هو الوحدوي الوحيد .. وبه كانت الوحدة وبدونه لا شيء سيقوم له قائمة ..؟ليت إن حديثك كان أكثر عمقاً ووضوحا وخاصة لما له من تأثير على عقول البسطاء وليتك تحدثت قليلا عن ما يجب وما لا يجب منا” الحاكم والمحكوم معا” في ظل ظروف إن أطاحت بأحد فإنما ستطيح بالجميع بلا استثناء .
قيل لي ذات يوم أن أمريكية باحثة تبحث في علاقات السلطة والمعارضة والتي لا تظهر للآخرين مخبأة وراء الكواليس,ما زال بحثها ربما جاريا ولكن عنوان البحث أراني ذلك الكم الهائل من التناقض بين أن تكون معارضا وبين أن تكون في نفس اللحظة مرتبطا بعلاقات اقتصادية قوية وأسرية وقبلية وطيدة بذلك الطرف الذي تجاهر بمعارضته! جميع ذلك يفقدك مصداقية قولك وفعلك وربما ذلك كله يجعلهما مقيدان بقيود لا أول لها ولا آخر تجعل ما تهدر به وما تعصف به للناس مجرد واجهات دعائية ,
وحصص و نسب مقسمة بين طرفين تحكمهما المصالح المشتركة والضيقة لا أكثر!
هل تتفقون معي بأن الحياة ليست كلها سياسة ولا السياسة هي الحياة؟ و سامح الله من جعل الثقافة سياسة والسياسة هي الثقافة والجهل بها هو الجهل ذاته في الحياة التي ليست كذلك أبدا وما هي سوى نافذة من نوافذها المليئة بالزخم الإنساني وبالتفاصيل والحكايات .. ولأن الحياة هي كل ذلك ,فتناقضاتنا تتناثر هنا وهناك حتى داخل بيوتنا وحيثما وليت وجهك فثم عجيبة تحتاج إلى التفات والى التقاط متأني غير متسرع بإصدار أحكامه .
ادرس الآن تمهيدي ماجستير حيث عدت من جديد إلى المحاضرة والى الدكتور وحيث عاد الدكتور دون حرص منه إلى ممارسة الوصاية على عقولنا بأحاديث وأفكار متناقضة تعبر عن بؤسنا وضيق إحساسنا بمساحات إدراكنا الشاسعة من المحبة والقابلية للتعلم.. فقد منع احد دكاترتنا الأجلاء دخول ( العلف الأخضر ) كما اسماه إلى ( قاعة العلم ) كما اسماها هو كذلك , وفي محاضرة غير بعيدة عن الأخرى وربما في نفس المحاضرة حث الطلاب الذكور على العمل المشترك مع الطالبات الإناث والسبب هو أن النساء لا ينبغي أن يعملن بمفردهن فهن مجرد ( مطقطقات) من الطقطقة والكلام الفارغ !!إن ذلك التناقض بين احترام قاعة العلم واحترام عقول المتعلمات حاضر يعبر عن التشويش الحاصل في راس العديد تجاه مواقفه وقناعاته , فالأولى بمن يحرص على قاعة العلم دون منبهات أو علف أن يعلم تماما بان لا فرق بين عقل امرأة وعقل رجل داخل تلك القاعة يبحثان عن المعرفة ، أما إن كان ما قاله لا يعبر إلا عن عنصرية بحتة فذلك شيء مختلف وليس بمختلف في نفس الوقت كون العنصرية هنا لا تتناغم مع العلم وما يعطيه لصاحبه من تسامح وأفق لا حدود له .
ثم لا أجدني متفاجئة بذلك ودكتور آخر في نفس القاعة يلعن و بكل تقزز التطرف والإرهاب والقاعدة و بن لادن ويلعن بنفس الكيفية والحماسة أروى الصليحي لانتمائها للمذهب الإسماعيلي !! جاعلا من بن لادن رديف لأروى الصليحي! والقاعدة وجه آخر للإسماعيلية, فعندما استقبح القاعدة انطلق من التسامح الإنساني وحرمة الإنسان دمه وماله ثم تناسى تلك الحرمة والتسامح مع الإسماعيليين ! والتناقض هنا مليء بالأهواء وليس التشوش كسابقه وغارق بالتكوين المعرفي الذي لم يفرق بين كلام الأجداد وبين
كلام الله تماماً(!)
إيه ….. يا من تقرأ ون ما اكتب ماذا لو أنقلكم إلى مقهى للانترنت نقلة نوعية مليئة بالتناقض هي الأخرى حيث جلست بجانبي ولأيام متعددة فتيات كثيرات منطلقات وبكل جرأة في ممارسة هواية الدردشة مع صديق مجهول أو معروف أو مجرد صدفة عابرة متحدثات مع ذلك الصديق بلغة جنسية بحتة نحرمها في جميع أماكن حياتنا نحافظ بذلك التحريم المطلق على عفافنا !!وعندما اتخذت قرارا بان أواصل الحديث مع إحداهن وركوب الباص معها وجدتها تمتلك عملة معدنية أو مفتاح عند الضرورة لتطرق به على الباص بدلا من أن تصيح ( على جنب) والسبب هو ما صفعت به وجهي ( هكذا أحسن صوت المره عوره ) أما حديثها المختلس قبل دقائق ودون مانع أو رقيب ليس بشيء من ذلك ,طالما يدور في الخفاء فما العيب من التناقض ؟ وفتاة أخرى رايتها في نفس المقهى استهواني مشاهدة غضبها وهي تفجره في الولد ذو الثلاثة عشر عاماً عندما اقتحم بوفية الآداب بغرض أداء عمله صارخة في وجهه ( قول أحم ، الله الله ) حتى تجد الوقت الكافي لتغطية وجهها منه وهي وقبل أيام ترفع لثامتها تلك في مقهى للنت تسال صديقها عن مدى جمالها ! تناقض آخر بديع يدس يده في أعماقنا يلخبط و يخربط بكل جسارة ما ننظمه ونرتبه كقواعد للسلامة نحيا معها في هدوء وكأن لا شيء يحدث في الخفاء (!)
نعم الحياة مليئة بنا ونحن مليئين بالتناقضات المقيتة والمخيفة ,لأصل معكم إلى متناقضة أخيرة عن مجتمع وربما ثقافته يتعمد غسل أدمغة الرجال والنساء معاً مرددا بان المر أه هي الأم والأم والأم مؤيدين لقولهم ذاك بخطاب ديني يقول ( أمك ثم أمك ثم أمك) حتى تعتقد الأم أن لا حياة لها دون أطفالها.. وعطائها ونبع حنانها هما صفتاها الوحيدتان, ولكن إذا لا قدر الله( وافترق الأبوان )انهارت تلك الأكاذيب وتكشفت حقيقة مفجعة مليئة بالنفاق إذ ينحاز المجتمع هنا بكليته إلى الأب وأحقيته في امتلاك أولاده مسوغين لأنفسهم بذلك حق حرمانهم من نبع الحنان الذي يصبح لا قيمة له هنا وبدون سابق إنذار(!)
سؤال صغير عميق انهي به حديثي وابدأ به أحاديث قادمة :
كيف نجمع بين المتناقضات ؟ ونجعلها تتعانق دونما حياء من عقولنا وقلوبنا ؟ودون خوف ممن يرى كل ما نفعل من ظلم بأنفسنا وبالآخرين يتجاوز المعقول ؟
وصدق هو حين قال ( ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى اجل مسمى… ) فألى أجل مسمى ……….