Thursday, May 14, 2009

ثمن البوح


 

 

 

“ألطاف”: أحيا وكأن هناك قفلاً على فمي.. يمنعني من قول ما أريد وقتما أريد.. لتكن إذن هذه بدايتنا..

حرية البوح لدى النساء.. كانت تلك هي الفكرة التي ما إن بدأت بالدوران حولها حتى تأكد لي بأنها فكرة مستقطعة من حرية أكبر.. وهي البوح للجميع دون استثناء لرجل أو امرأة وكما درجت العادة، كانت الأفضلية للرجال، فمحاذيرهم تقل كثيراً أمام حجم المحاذير الراسخة أمام أي امرأة.

 

“ابتسام الشوافي” تسخر من نفسها في فترة سابقة كانت تصنف بها كل من تكتب شعراً أو تبوح بمشاعر حب أو تضحك في الشارع أو تبكي أو حتى تركض (قليلة أدب)!! لتشكر الله أنها وصلت أخيراً إلى إحساس عال بتقدير كل من تستطيع التغلب على قيود لا أساس لها في الإنسانية لتقول ما تريد وتفعل ما تريد طالما لا يمسسن أحداً بأذى!

البوح والرقابة الذاتية هي المخيفة بالنسبة لي وليس رقابة المجتمع التي أعلم أسبابها وحجمها..

هكذا ترى(هدى) التي تقلق كثيراً؛ فما إن تقنع نفسها تماماً بأن من حقها فعل شيء أو عدم منطقية أمر ما، حتى تعود فتصنفه وتجرمه لمجرد التفكير بأنها تخرج عن المألوف أو تبوح به على الأقل.

 

أما “فادية” فلا تسميها رقابة ذاتية أو من خارج الذات، وإنما هو ذلك الحياء الذي خلقه الله في المرأة يميزها به عن الرجل، وتسخر من دعاة الحرية مؤكدة بأن نتائجها ليست إيجابية دائماً وجميلة كما يتخيلون، أما اختلاف المحظور والممنوع بين الرجل والمرأة فلأسباب أهمها هو حماية المرأة والخوف عليها من الأذية الجسدية في المقام الأول والروحية في المقام الثاني.!!

 

“أماني العميسي” ترجع تلك الرقابة الذاتية إلى قلة الاطلاع والمعرفة، وبالتالي التعمق فيما حولنا من محظورات. وهنا، كما قالت، تكمن الكارثة لدرجة اختلاط الحابل بالنابل والصواب بالخطأ حتى تحول الوضع إلى نفاق اجتماعي وظاهرة رقابة ذاتية أمام الآخرين وفي ا لخفاء قد نمارس عكس ما نظهره، ذلك أن المجتمع يفرض عنوة فكرة مقيتة بأن المرأة بكليتها عيب، فلماذا ننتظر أو حتى نتوقع منه أن يستثني أفكارها ومشاعرها من دائرة العيب تلك؟!

 

يدعي البعض أن الثقافة التي تسلب المرأة حقها في البوح ثقافة مهترئة! بينما نراها تزداد مساحة وتوغلا ًفي المجتمع ؟

هذا التناقض فسره الدكتور منذر إسحاق بشرحه لمعنى كلمة الثقافة التي هي مرادف للعمق التاريخي الذي يمد جذوره في ثقافتنا العربية وليس الإسلامية! ولشدة عمق تلك الثقافة، من الصعب الانقضاض عليها بين يوم وليلة وما يعيق اقتلاعها هو المرأة ذاتها وعدم فهمها الصحيح لوسائل الثورة والدفاع عن حقوقها التي قد تجعل الرجال يقفون معها وليس ضدها.. عندما تراعي خصوصية المجتمع الذي تحيا فيه بطرق ووسائل بوحها، مفرقاً – أي الدكتور إسحاق- وبشدة بين أن تنقاد لتلك الخصوصية أو أن تراعيها لأجل تحقيق الأهداف المرجوة، معتبراً مشوار المرأة طويلاً، ولا بد من خطوات كثيرة قد تبدو متعثرة وقصيرة وقد تكون قوية ودائمة الاستمرار.

الكتابة نوع من ممارسة حرية البوح. هكذا يقول جان بول سارتر.. وهذا ما وافقت عليه الشاعرة “نادية مرعي” التي اعتبرت الكتابة ملاذاً لها كامرأة تهمس فيها وتشكو وتصرخ. وتعترف بأنها مع الكتابة تصاحبها الرقابة إلا أن بعضاً من عباراتها تفضحها هاربة من لا وعيها الذي دائماً ما يستحضر الآخر سواءً كان حبيباً أو عدواً. مفشية بأن بعض من يكتبون، رجالاً أو نساء، قد يمزقون نصوصهم حين يكتشفون أن ذواتهم مفضوحة فيها دونما ساتر.

القاصة “سماء الصباحي” برغم خطواتها الأولى في عالم القصة إلا أنها منزعجة من إحساس تنامي خوفها من تهم قد توجه إليها بناءً على كتاباتها من المجتمع، سعيدة بقراءتها ذات يوم لمذكرات عبدالستار ناصر عندما تساءل لماذا تقتل الكلمات قبل أن تولد.. مما حمسها لمواجهة العالم بأفكار ومشاعر كابتة. تعتبر الكتابة حالة لذيذة وترفض أن تكون لذة محرمة، رافضة كذلك، ومنذ الآن، تهماً جاهزة ومعلبة عما تكتب إن وصفت به شيئاً حسياً بأنها نابعه من  تجارب خاصةبها  ترجمت على الورق قصصاً، بينما لا يلاقي الرجال شيئاً من تلك التهم.

ليست المرأة فقط من يعاني قيوداً على حرية البوح.. الرجل كذلك يمر بنفس المآزق تصنف سعادة علايه” موانعها كالتالي: الرجل لا يعبر عن مكنونات عقله ونفسه لأن ذلك ضعف وليس من الرجولة! والمرأة، لأن ذلك حرام وعيب ولا يجوز!

أما أفكارهما فمنظومة المجتمع وسياسة المنع هي من تجعل أفكارهما حبيسة الداخل باعتبارهما نتائج لتربية الخوف التي تولد عقولاً جامدة وسحب كثيفة يحجب بينها وما تريد القيام به.

يعاد إنتاج القمع للأفواه والعقول على يد المؤسستين السياسية والدينية في البلد تدعيان رفعهما للواء السلام والتغييروالحريه ،تكرس تلك المؤسستين مفاهيم القمع في أوساطها ومع المواطن العادي لكي تكتمل دورة القمع المتواصلة والمنتهية بممارسة الفرد في محيطه وتنتهي به.

الأستاذ “محمد الصبري” ادعى أن السياسيين يحددون للناس ما هي القيم التي يلتزمون بها ممارسة وقناعات..

و“هاني”، موظف حكومي ومعارض، يؤكد أن عمله يمنعه من البوح ومن التعبير عما يريد وأن حزبه يقضي على الباقي تماماً.

أما“حنان” فلا ترى من شغل شاغل لدى علماء الدين سوى المرأة ومنع المرأة وتحديد خطواتها وقد يرغبون- حد قولها- بعدم وجودها إن استطاعوا فعل ذلك!!

تشابه السياسي بالمرأة كبير؛ فكلاهما لا يبوحان بالكثير. والسبب بحسب “الصبري” أن السياسي عني بالشأن العام وحريص على ألا يثير المشاكل أو أن يفهم من كلامه ما لا يريد، ولكنه على استعداد لكشف ما يريد في الوقت المناسب على عكس المرأة التي لا تبوح مجبرة حتى نهاية حياتها، مستدركاً أنه يحسد المرأة على نعمة البكاء؛ تبوح من خلالها بحزنها ومشاعرها المختلفة، بينما الرجل لا يمتلك تلك الطريقة أبداً.

وترد على ذلك أشجان بأن الرجل عندما لا يبكي يبحث عن طرق بديلة للبوح، أما المرأة للأسف فإنها تكتفي بذلك البكاء دونما فعل أي شيء أخر!!

 

ما إن نتحدث عن المرأة حتى تتداخل الأسباب وتتشوش الرؤية وتتشعب الأفكار ليلوح دائماً في الأفق أمل النجاة يعتمد كلياً على مسح الطاولة بما عليها والبدء من جديد بتنظيمها وفقاً لمعطيات العصر ولاحتياجات المرأة في المقام الأول.

“يمن” تقول لا بد أن نسأل عما نريد أو بالأصح أن نصرخ بما نريد!

لم يختلف العالم على قضية ما كمثل اختلافه على قضايا النساء والسبب بسيط كما قالت “علياء” النساء أنفسهن لم يقدن المعركة، ومن يفعلن ذلك يقول عنهن “فهد البناء” المرأة التي تطلق لمشاعرها العنان وأفكارها تبوح بها هنا وهناك امرأة لا تصلح أن تكون زوجة وأماً لأطفال!! السبب أنها لابد وأن تكون غير متزنة.. ومستهترة!

ولم نبحث كثيراً لنجد نظرة مشابهة .. حيث أكد “مصطفى محمد” حكم سابقه مع إضافة قوية باندهاش واستعلاء واضح: الرجل نفسه لا يبوح بمشاعره ” ما ناقص إلا المرة”!!

“سميرة عبده” تحدثت عن الفن والأدب والرسم الذي يدعي كذباً أنه يعالج أو يخرج أو يبوح بالنيابة، عن مشاكل النساء النفسية والجسدية، منتقدة ذلك البوح بأنه لا يسد فراغاً ويستخدم المرأة كسلعة.

بينما تعارضها “انتصار” التي أصرت على أن الاعتراف بالمشاكل وإظهارها هو أول المشوار الصحيح.

“مريم” تحذر من مغبة البوح الصريح حيث ستدفع النساء ضريبة باهضة لخروجها عن إرادة الرجل وذلك عبر القوانين الممنوحة والموضوعة من الرجال مما سيحمل المرأة المتمردة فوق طاقتها وأولى تلك الممارسات نبذها من المجتمع نساءً ورجالاً!!

 

عدم البوح، والانغلاق على الذات يجعل المرأة ذات انفصام، فلها أكثر من وجه وأكثر من قلب وما تقوله لا يشير مؤكداً إلى ما تفكر به. ومن تحبه لا تتزوجه آخر الأمر.

وبما أن هناك أدوات للبوح آخرها الصوت وأولها العقل، وبما أننا في بلد يرى أن صوت المرأة عورة، فليس من المستغرب إذن أن ترى النساء لا يبحن بما بداخلهن، بل حتى لا تتصالح شفاههن مع ما يفكرن به إما حذراً أو خوفاً وأحياناً كثيرة تماشياً وتماثلاً مع مجتمع إن شذت عنه ستشذ في النار.

Posted by الهام صالح الوجيه at 12:42:53 | Permalink | No Comments »

Sunday, May 3, 2009

الحوار مع الطفل …


 

 

من أين نبدأ إن أردنا الكتابة عن علاقتنا مع آبائنا؟… هل من عنايتهم بصحتنا أو تعليمنا أو ملبسنا أو احتياجاتنا النفسية والفكرية.. أم نبدأ بما هو أهم من كل ذلك وبما يصل إلى كل ذلك؟…

الحوار …..

أتيحت لي فرصة للملاحظة التي كانت مذهلة… والإذهال لا يعني بالضرورة الروعة وإنما قد يعني الكارثه في نفس الوقت…

هل نتحدث مع آبائنا؟ وإن حدث ذلك فكيف يحدث؟ وكم يطول الحوار؟ وإلى ماذا قد يصل؟

أسئلة كثيرة لا تنتهي ما إن تبدأ فكرة ما بالتجول في رأسك بحرية.

يوم في الحديقة العامة… ويوم في السوق… ويوم في حفل مدرسي.. ثلاثة أيام من التطفل الذي أزعج الكثيرين وأثار دهشة البعض.. وندمه ومعرفته…

ابنة ست سنوات لمحتها من بعيد تتكلم… أسرعت إليها أسألها مع من تتحدث… لتقول لي … أحدث نفسي…! لتعقب عليها الأم ضاحكة: أنها كثيرا ما تحدث نفسها أو تلعب مع نفسها… وبإضافة لاذعة: إنها مشروع جنون كأ… وهي تنظر لأبيها متضاحكين…

حسنا، علم النفس لا يخشى من لعب الطفل مع ذاته، ولكن ما يخشاه هو الحديث مع نفسه عندما لا يجد من يسمعه… ترى ما الذي شغل “غسان” و”سحر” عن طفلتهما لهذه الدرجة، وهما وإياها في مكان واحد على مقعد واحد وفي زمان لن يتكرر؟

“أزهار” كان اسم تلك الطفلة.. أزهار…!

لا يتحدث الأطفال مع آبائهم كثيرا، وإن حدث فهو كالتالي…

طفل يحتاج بشدة إلى لعبة أو حلويات أو نقود لأجل اللعب… يرد على أحاديثه وطلباته العابرة بنعم أو لا… ولا يمنعه ذلك الرد من البكاء أو الإلحاح دون نقاش ليحصل على ما يريد أو ليحظى بصرخة مدوية أو دفعة أقوى على ظهره (باللغة اليمنية: دهفة) لكي لا يكرر ما يفعله أمام الناس… أو ليتعلم الأدب!

“عبدالمجيد” هو ذلك الطفل الذي استحق “الدهفة”، ولم يستحق حوارا جادا حول سلوكه أو حول طلباته.. هو هو نفسه من سيصرخ مستقبلا بوجه طفله ويتأفف من حديثه دونما سبب… وهكذا كلما ازدادت الفجوة اتساعا بين الآباء والأبناء، ازدادت الفرص لوقوع أبناء أبنائنا في تلك الحفرة…

من الصعب جدا أن تجد أطفالا يتحاورون مع والدتهم، وإن وجد فمن الأصعب أن تجدهم يفعلون ذلك مع الأب..

تتكفل الأم إن بالإصغاء من قلبها إلى ما قد يحدث لأطفالها أو ما يريدون الفضفضة عنه، قد يكون ذلك ما هو إلا عبارة عن عملية إرسال من طرف واحد، إلا أن الأم تظل هي ذلك المستقبل الذي لا يمل من الإصغاء أو السماع بضجر لما يريده أبناؤها.. ليس لرغبة قد تكون حقيقية في الحوار والتواصل، ولكنها المسؤوليه التي لا بد منها لواجب تظن أن لن يقوم به أحد  غيرها أبدا… بينما يكتفي الأب بدوره كصراف آلي يدر نقودا في جميع الأوقات، وجفافا عاطفيا لا أكثر ..

هذا حال.. “مرام وعبدالحميد وسميرة وعبير ومحمد “  باتفاق آبائهم على ذلك…!

أبناؤنا كما قال لي أبي امتداد لحياتنا… وكما قالت لي معلمتي ذات زمن، صور معبرة عن القادم والمستقبل… ما كان يقصده أبي بالامتداد ليس التشابه أبدا، وليس التماثل.. إنما الاستمرار والعطاء… ما قصدته معلمتي كان يعني أن المستقبل نحن من يصنعه عندما نربي أبناءنا لصنعه وتغييره… كل ذلك لا يحدث هنا في اليمن أو ما يجاورها، وإن حدث فإنما هو غريبة من غرائب الدنيا تستحق التوقف أمامها كما توقفني “عبدالواسع العديني” وهو يتحدث مع بناته الثلاث  في حفل مدرسي متبادلا معهن  النكات والمعلومات والآراء.. “إباء” و”شموخ” و”عزة” هن بنات عبدالواسع؛ جاد عليهن الحظ بوالد يقل نظيره…

أو كما أوقفت أنا ذات يوم والدة أحدهم لتقول لي معجبة “ما شاء الله عليك.. عن ماذا تتحدثين مع أطفالك كل هذا الوقت ؟.. لابد أنك صبورة جدا”..!

سأفترض أنها تعني بالصبر التحمل وليس التوكل لتغيير الأشياء ، وأستنكر هنا وأتساءل ما هو القاسي أو الشاق أو الممل وأنت تستمع إلى الطفل يتحدث عن يومه.. عن قصته المفضلة، وعن مدرسته، وعن أصدقائه.. عن الله، وعن الشمس، وعن المتسول، وعن الأناشيد والمسرح…؟! ما هو المرهق في الحديث مع من لا قيود على عقولهم، وعمن يعانقون الحياة وتعانقهم دونما حواجز…؟!صورة للحياه تولد مليئة بالحياه ولكننا نغتالها بصمتنا ودونما  اي تأنيب من ضمائرنا .

ليت الآباء يدركون نعمة الحديث مع صغارنا، واختلاف الحديث ذاك باختلاف أعمارهم… ليت “وفاء “تدرك أن الحديث مع “رشا وهاني” هو ما سيشكل لهم عقولا واسعة وتسامحا أوسع وإبداعا لا حدود له.. بدلا من أن تمتدحني لما لم تفعله ولن تفعله أبدا…!

Posted by الهام صالح الوجيه at 17:27:29 | Permalink | No Comments »